لم تكن الإدارة العامة للجرافيك بهيئة قصور الثقافة مجرد وحدة إدارية، بل كانت مشروعًا وطنيًا لصناعة الصورة البصرية لمصر ثقافيًا. فقد تأسست عام 2006 على أيدي كبار الفنانين والأساتذة؛ الفنان الدكتور/ أحمد نوار، والفنان الدكتور/ خالد سرور، وضمت نخبة من الكفاءات التي مثّلت مصر في محافل محلية ودولية، حتى أصبحت واحدة من أنجح كيانات الهيئة وأكثرها تأثيرًا.
لكن ما يحدث اليوم داخل هذه الإدارة يمثّل نموذجًا صارخًا لكيف يمكن لسوء الإدارة أن يهدم مؤسسة ناجحة، عبر قرارات خاطئة، وبيئة عمل طاردة للإبداع، والاعتماد على غير الأكفاء، مع إقصاء أصحاب الخبرة.
وخلال السنوات الأخيرة، شهدت الإدارة نزيفًا حادًا في الكفاءات؛ إذ غادرها أكثر من تسعة فنانين محترفين هربًا من مناخ مهني طارد للإبداع، قائم على الإقصاء، والتعسف، وسوء استخدام السلطة. فلم تعد بيئة العمل حاضنة للفن، بل أصبحت طاردة له.
والأخطر من ذلك أن الشكاوى الرسمية المقدَّمة ضد تجاوزات إدارية وسلوكية لم تُقابل بالإصلاح، بل قوبلت بمزيد من التضييق والانتقام الوظيفي، عبر تقارير كفاءة مجحفة، والحرمان من العمل، في انتهاك واضح لحق الموظف في بيئة عمل عادلة وآمنة.
إن الإبداع لا يولد في مناخ الخوف، والفن لا ينمو تحت القهر الإداري. وما يحدث اليوم داخل إدارة الجرافيك لا يسيء فقط إلى العاملين بها، بل يسيء إلى صورة وزارة الثقافة نفسها، التي يُفترض أن تكون حاضنة للفكر والفن، لا ساحة للصراعات الشخصية.
والسؤال الذي يجب أن يُطرح بوضوح: كيف تُكافأ إدارة فشلت في الحفاظ على كوادرها، وأفرغت المكان من خبراته، وقامت بتهجير الكفاءات، بمنصب أعلى بدلًا من محاسبتها؟ وكيف يُترك كيان ناجح يتهاوى، بينما تُرفع تقارير غير حقيقية إلى القيادات؟
إن إنقاذ إدارة الجرافيك اليوم ليس مطلبًا فئويًا، بل واجب وطني لحماية أحد أهم المشروعات البصرية داخل مؤسسات الدولة الثقافية.
فالوزارة لا تحتاج إلى مزيد من القرارات الورقية، بقدر ما تحتاج إلى قرار شجاع يعيد الاعتبار للكفاءة، وينهي عصر الإدارة بالعلاقات الشخصية، ويعيد الفن إلى مكانه الطبيعي… في الصدارة، لا في الهامش.
