د. نهاد عياد تكتب : فوضى التريندات في قبضة الخوارزميات

صحفيون
By -


 

د. نهاد عياد

كاتبة دولية – مدربة دولية معتمدة

أخصائية تحاليل طبية، تغذية علاجية، تجميل غير جراحي

ومؤسسة “بصمة نهاد” في عالم التنمية البشرية


لم تعد التريندات مجرد رياح تهب ثم تهدأ 

بل تحوّلت إلى قوة عاصفة قادرة على إعادة تشكيل الوعي الجمعي 

وتوجيه مسار النقاش العام وصناعة حالة من الاندفاع اللاواعي

وبينما تحمل بعض هذه الظواهر الرقمية رسائل إيجابية تنشر المعرفة والمبادرات البناءة 

إلا أن المشهد اليوم يسيطر عليه ما يشتت الانتباه ويُدخل التشويش ويزعزع الأولويات وهي الأخطر والأكثر تأثيرًا .


حين يصبح العالم كله “قضية واحدة”


نستيقظ كل يوم على قضية واحدة تطغى على الساحة، تملأ الشاشات، وتنساق الجماهير وراءها بلا وعي أو تقييم حقيقي 

استجابةً لما تبرزه المنصّات


ضجيج يكاد يبتلع كل ما سواه وفي تلك اللحظة يشعر الفرد الواعي أن رأيه لم يعد ملكًا لهً

بل خيارًا إجباريًا ألقاه التحكم الرقمي إلى المقدمة


من التفاعل العابر إلى الهيمنة الرقمية


يجلس الناس أمام شاشاتهم يضغطون إعجابًا أو مشاركة 

ظانّين أن الأمر مجرد “تفاعل عابر”

لكن واقعياً كل ضغطة تضيف وزنًا للمشهد وتدفعه أعلى السلّم وتجعل منه حدثًا عامًا .. حتى لو كان تافهًا أو مضللاً


وهكذا تتشكل الأنماط السائدة في المجتمع بشكل تلقائي وتصبح الصورة العامة انعكاسًا لتفاعل اللحظة الذي تحركه البرمجيات الموجهة لا للحقائق


من يصنع هذه الحملات المضللة؟


اليوم ؛ ما نراه ليس محتوى عشوائيًا بل منظومة متكاملة تشمل:

* محتوى رقمي يُصعد إلى القمة ويحتل واجهات المشهد

* إعلام يوجه الرأي العام ويشكل النقاش

* أعمال سينمائية تبني سرديات محددة أحيانًا

* رسائل مدروسة بعناية لإعادة تشكيل وعي المجتمع 

* أدوات وآليات رقمية تتحكم فيما يصل إلينا وتغمرنا بضجيج أخبار بلا قيمة فتزيد التشتت والانقسام

والنتيجة؟ تشويش وضجيج وغياب للمعني 

حتى تصبح التفاهة حدثًا رئيسيًا والجدية هامشًا بعيدًا


من المسؤول؟  


نسأل أحيانًا: 

لماذا يسيطر التافه؟ لماذا تُصنع الشخصيات المؤثرة من فراغ؟

والحقيقة المؤلمة: 

هذه الحملات المضللة لم تُبنَ إلا بتفاعلنا 

نحن من منحها قيمتها وساهم في رسوخها 


كيف نخرج من قبضة التوجيه الرقمي؟


ليس الحل في محاربة التكنولوجيا 

بل في ترشيد التفاعل وبناء وعي يقظ:

• تجاهل ما لا قيمة له

• التركيز على كل ما يبني ويهذب ويضيف

• إعادة توجيه الضوء نحو القضايا التي تستحق النقاش 


محاور أساسية لصناعة وعي فعال


* الوعي الديني: ترسيخ المبادئ السليمة، القيم الروحية وتحسين الحس الأخلاقي

* الوعي التعليمي : دعم تطوير المهارات، مواجهة أزمة التعليم بفكر جديد، وتشجيع الإبداع

* الوعي الثقافي: تعزيز القراءة، تهذيب الذوق ودعم التربية الفكرية الرشيدة

* الوعي الرياضي: تشجيع الشباب على الحركة، الطاقة الإيجابية وروح المنافسة الصحية


ثبات المبدأ وسط الزحام


من السهل أن يصبح الإنسان ريشة في مهبّ الريح، لكن الصعوبة تكمن في الثبات على المبدأ وسط فوضى الحملات الرقمية واندفاع الجماهير


قال رسول الله ﷺ:


( لَا تَكُونُوا إِمَّعَةً ، تَقُولُونَ : إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَحْسَنَّا ، وَإِنْ ظَلَمُوا ظَلَمْنَا ، وَلَكِنْ وَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ ، إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَنْ تُحْسِنُوا ، وَإِنْ أَسَاءُوا فَلَا تَظْلِمُوا )


رواه الترمذي


حين يكون الضغط رقميًا .. تكون المسؤولية شخصية


مادامت آليات الانتقاء الرقمي تقرر من يُرفع ومن يُخفى 

فلتتوقف لحظه قبل كل ضغطة مشاركة أو إعجاب أو تعليق.


ويذكّرنا الله تعالى:

﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾

سورة النور: 24

لسنا مجرد جزء من المعادلة .. نحن المعادلة نفسها

نملك القدرة على إعادة تشكيل المشهد وصناعة حملات واعية لا تُساق بالخوارزميات بل تُبنى بإرادتنا

وعي مشترك قادر على توجيه موجة كاملة .. وصناعة مستقبل أكثر نضجًا لنا ولأولادنا.